فخر الدين الرازي
484
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ساعة الإجابة في يوم الجمعة ، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء ، وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفا من الموت في كل الأوقات ، فيكون آتيا بالتوبة في كل الأوقات ، وهذا القول اختاره جمع من العلماء ، قال محمد بن سيرين : إن رجلا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال : حافظ على الصلوات كلها تصبها ، وعن الربيع بن خيثم أنه سأله واحد عنها ، فقال : يا ابن عم الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظا على الوسطى ثم قال الربيع : لو علمتها بعينها لكنت محافظا لها ومضيعا لسائرهن ، قال السائل : لا قال الربيع : فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى . القول الثاني : هي مجموع الصلوات الخمس وذلك لأن هذه الخمسة هي الوسطى من الطاعات وتقريره أن الإيمان بضع وسبعون درجة ، أعلاها شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والصلوات المكتوبات دون الإيمان وفوق إماطة الأذى فهي واسطة بين الطرفين . القول الثالث : أنها صلاة الصبح ، وهذا القول من الصحابة قول علي عليه السلام ، وعمر وابن عباس ، وجابر بن عبد اللّه ، وأبي أمامة الباهلي ، ومن التابعين قول طاوس ، وعطاء ، وعكرمة ومجاهد ، وهو مذهب الشافعي رحمه اللّه والذي يدل على صحة هذا القول وجوه الأول : أن هذه الصلاة تصلى في الغلس فأولها يقع في الظلام فأشبهت صلاة الليل ، وآخرها يقع في الضوء فأشبهت صلاة النهار الثاني : أن هذه الصلاة تؤدى بعد طلوع الصبح ، وقبل طلوع الشمس ، وهذا القدر من الزمان لا تكون الظلمة فيه تامة ، ولا يكون الضوء أيضا تاما ، فكأنه ليس بليل ولا نهار فهو متوسط بينهما الثالث : أنه حصل في النهار التام صلاتان : الظهر والعصر ، وفي الليل صلاتان : المغرب والعشاء ، وصلاة الصبح كالمتوسط بين صلاتي الليل والنهار . فإن قيل : فهذه المعاني حاصلة في صلاة المغرب قلنا : إنا نرجح صلاة الصبح على المغرب بكثرة فضائل صلاة الصبح على ما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى الرابع : أن الظهر والعصر يجمعان بعرفة بالاتفاق ، وفي السفر عند الشافعي ، وكذا المغرب والعشاء ، وأما صلاة الفجر فهي منفردة في وقت واحد فكان وقت الظهر والعصر وقتا واحدا ووقت المغرب والعشاء وقتا واحدا ، ووقت الفجر متوسطا بينهما ، قال القفال رحمه اللّه : وتحقيق هذا الاحتجاج يرجع إلى أن الناس يقولون : فلان وسط ، إذا لم يمل إلى أحد الخصمين ، فكان منفردا بنفسه عنهما ، واللّه أعلم الخامس : قوله تعالى : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [ الإسراء : 78 ] وقد ثبت بالتواتر أن المراد منه صلاة الفجر ، وإنما جعلها مشهودا لأنها تؤدى بحضرة ملائكة الليل وملائكة النهار . إذا عرفت هذا فوجه الاستدلال بهذه الآية من وجهين أحدهما : أن اللّه تعالى أفرد صلاة الفجر بالذكر ، فدل هذا على مزيد فضلها ، ثم إنه تعالى خص الصلاة الوسطى بمزيد التأكيد ، فيغلب على الظن أن صلاة الفجر لما ثبت أنها أفضل بتلك الآية ، وجب أن تكون هي المراد بالتأكيد المذكور في هذه الآية والثاني : أن الملائكة تتعاقب بالليل والنهار ، فلا تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في وقت واحد إلا صلاة الفجر ، فثبت أن صلاة الفجر قد أخذت بطرفي الليل والنهار من هذا الوجه ، فكانت كالشئ المتوسط السادس : أنه تعالى قال بعد ذكر الصلاة الوسطى : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قرن هذه الصلاة بذكر القنوت ، وليس في الشرع صلاة ثبت بالأخبار الصحاح القنوت فيها إلا الصبح ، فدل على أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الصبح السابع : لا شك أنه تعالى إنما أفردها بالذكر لأجل التأكيد ، ولا شك أن صلاة الصبح أحوج / الصلوات إلى التأكيد ، إذ ليس في